فخر الدين الرازي
307
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ [ المائدة : 2 ] فإن بعضهم قال : هذه الآية منسوخة ، وإذا كان كذلك امتنع القول بأن وجوب غسل الرجلين منسوخ ، والثالث : أن خبر المسح على الخفين بتقدير أنه كان متقدما على نزول الآية كان خبر الواحد منسوخا بالقرآن ، ولو كان بالعكس كان خبر الواحد ناسخا للقرآن ، ولا شك أن الأول أولى لوجوه : الأول : أن ترجيح القرآن المتواتر على خبر الواحد أولى من العكس ، وثانيها : أن العمل بالآية أقرب إلى الاحتياط ، وثالثها : أنه قد روي عنه صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب اللَّه فإن وافقه فاقبلوه وإلا فردوه » وذلك يقتضي تقديم القرآن على الخبر ، ورابعها : أن قصة معاذ تقتضي تقديم القرآن على الخبر . الوجه الرابع : في بيان ضعف هذا الخبر : أن العلماء اختلفوا فيه ، فعن عائشة رضي اللَّه عنها أنها قالت : لأن تقطع قدماي أحب إليّ من أن أمسح على الخفين ، وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أنه قال : لأن أمسح على جلد حمار أحبّ إلي من أن أمسح على الخفين ، وأما مالك فإحدى الروايتين عنه أنه أنكر جواز المسح على الخفين ، ولا نزاع أنه كان في علم الحديث كالشمس الطالعة ، فلولا أنه عرف فيه ضعفا وإلا لما قال ذلك ، والرواية الثانية عن مالك أنه ما أباح المسح على الخفين للمقيم ، وأباحه للمسافر مهما شاء من غير تقدير فيه . وأما الشافعي وأبو حنيفة وأكثر الفقهاء فإنهم جوزوه للمسافر ثلاثة أيام بلياليها من وقت الحدث بعد اللبس . وقال الحسن البصري : ابتداؤه من وقت لبس الخفين ، وقال الأوزاعي وأحمد : يعتبر وقت المسح بعد الحدث ، قالوا : فهذا الاختلاف الشديد بين الفقهاء يدل على أن الخبر ما بلغ مبلغ الظهور والشهرة ، وإذا كان كذلك وجب القول بأن هذه الأقوال لما تعارضت تساقطت ، وعند ذلك يجب الرجوع إلى ظاهر كتاب اللَّه تعالى . الخامس : أن الحاجة إلى معرفة جواز المسح على الخفين حاجة عامة في حق كل المكلفين ، فلو كان ذلك مشروعا لعرفه الكل ، ولبلغ / مبلغ التواتر ، ولما لم يكن الأمر كذلك ظهر ضعفه ، فهذا جملة كلام من أنكر المسح على الخفين . وأما الفقهاء فقالوا : ظهر عن بعض الصحابة القول به ولم يظهر من الباقين إنكار ، فكان ذلك إجماعا من الصحابة ، فهذا أقوى ما يقال فيه . وقال الحسن البصري : حدّثني سبعون من أصحاب الرسول صلى اللَّه عليه وسلم أنه مسح على الخفين ، وأما إنكار ابن عباس رضي اللَّه عنهما فروي أن عكرمة روى ذلك عنه ، فلما سئل ابن عباس عنه فقال : كذب علي . وقال عطاء : كان ابن عمر يخالف الناس في المسح على الخفين لكنه لم يمت حتى وافقهم ، وأما عائشة رضي اللَّه عنها فروي أن شريح بن هانئ قال : سألتها عن مسح الخفين فقالت : اذهب إلى علي فاسأله فإنه كان مع الرسول صلى اللَّه عليه وسلم في أسفاره ، قال : فسألته فقال امسح ، وهذا يدل على أن عائشة تركت ذلك الإنكار . المسألة الحادية والأربعون : رجل مقطوع اليدين والرجلين سقط عنه هذان الفرضان وبقي عليه غسل الوجه ومسح الرأس . فإن لم يكن معه من يوضئه أو ييممه يسقط عنه ذلك أيضا ، لأن قوله تعالى : وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ مشروط بالقدرة عليه لا محالة ، فإذا فاتت القدرة سقط التكليف ، فهذا جملة ما يتعلق من المسائل بآية الوضوء . قوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا قال الزجاج : معناه فتطهروا ، إلا أن التاء تدغم في الطاء لأنهما من مكان واحد ، فإذا أدغمت التاء في الطاء سكن أول الكلمة فزيد فيها ألف الوصل ليبتدأ بها . فقيل : اطهروا .